حيدر حب الله

40

حجية الحديث

وثمّة محاولة أخرى للانتصار ، لاحظناها عند بعضهم ، وهي تذهب إلى أنّ هذا المبدأ هو عكس نقيض لأصل فطري بديهي ، وهو إنّ الأثر الدائم أو الأكثري لا يكون إلا عن علّة ذاتيّة تامّة أو مقتضٍ ، إذ هذا المبدأ / الأصل ينعكس بعكس النقيض إلى : ما ليس بعلّة ذاتيّة تامّة أو مقتضياً - وهو الاتفاقي - لا يكون أثره دائميّاً ولا أكثريّاً . ومرجع بداهة الأصل المدّعى هنا هو أنّ العلّة الذاتية إن كانت تامّة فأثرها دائمي لا يتخلّف عنها ، وإن كانت ناقصة على نحو المقتضي فأثرها أكثري ، لوجود المرجّح الواقعي في الوجود ، وهذا على خلاف الاتفاقي ؛ إذ لا يملك مرجّح الوجود ، فطبيعته لا تسمح له لا بالدوام ولا بالأكثريّة « 1 » . وهذا المحاولة قابلة للمناقشة أيضاً ، وذلك : أولًا : إنّ ما فرض أصلًا لعكس النقيض هو عين الدعوى التي نتنازع فيها ؛ إذ السيد الصدر - بإنكاره فكرة نفي الأكثرية - ينفي تلقائيّاً حصر الدائميّة أو الأكثرية بالعلّة والمقتضي ، بوصف ذلك معطى عقليّاً قبليّاً ، فتغيير الألفاظ لا يخرج ما وصف بأنّه أصل فطري بديهي عن دائرة الشك عند من يناقش في العكس نفسه . ثانياً : إنّ الحديث عن ضرورة الوجود في العلّة التامّة ، وترجيح الوجود في المقتضي يفرض علاقةً بين شيئين تستدعي تحقّق الثاني لزوماً أو ترجيحاً عند تحقّق الأوّل ، ومن يقول بالإمكان العقلي القبلي في كون الصدفة أكثريّة لا يفرض وجود ضرورة ، فهو لا يدّعي ضرورة تحقّق الأكثريّة ولا رجحان تحقّقها ، بل اتفاق هذا التحقّق فيما ليس بينهما عليّة ولا اقتضاء ، فالأكثريّة نفسها عنده ليس لها وجود خاصّ مستقلّ بمعزل عن العلل والمعاليل نفسها في الأطراف ، غاية الأمر هي حالة اقتران عفوي لا يفرضه شيء

--> ( 1 ) انظر : أيمن المصري ، أصول المعرفة والمنهج العقلي : 61 ؛ وله أيضاً : منتهى المراد في علم أصول الاعتقاد : 43 - 44 ؛ ودستور الحكماء في شرح برهان الشفاء 1 : 474 ؛ ونقد المدرسة التجربيّة ، مجلّة روافد فكريّة 1 : 148 .